`

عن الدستور.. رسالة من شباب ١٨٧٩ (٢)

طالعنا فى المقال السابق مقدمة الدستور الرائع الذى أعدته «جمعية اتحاد فتيان مصر» والتى تضمنت رؤية انتقاديه لأحوال مصر فى ذلك الزمان، ونكتشف أن مائة وثلاثين عاماً قد مضت بينما نجح عديد ممن توالوا الحكم عليها ومنهم حكم مبارك فى الرجوع بها إلى ما كانت عليه أيامها وربما أسوأ. ولأن فتيان مصر كانوا يريدون تسجيل انتقادهم ورفضهم لما كانت عليه الأحوال فقد أطالوا فى شرح أسباب هذا الرفض ونطيل نحن معهم استعراض هذا الانتقاد لنكتشف وكـأننا كنا نتحدث عن زماننا.

ونقرأ «إن أرباب الإدارة لا يعرفون لحقوقهم حداً فيحسبونها غير متناهية، ويتصرفون فى الأمور تصرف المالك فى ملكه، ويتجاوزون الحد فى السلطة المسلمة إليهم، ويحتقرون الرعية، فلا يعتبرونها بمنزلة أعضاء جمعية ثابتة الأصول، وإنما بمنزلة أناس أدنى منهم محكوم عليهم بالظلم الدائم. وحتى المأمورون الثانويون فإنهم يكونون فى الغالب أشد عسفاً من رؤسائهم ولا يبالون بالرأى العمومى «بل يتصرفون فى الأمور كيفما شاءوا علماً منهم بعجز المظلومين عن مقاومتهم وعن التصريح بظلمهم.

أما صغار الموظفين فهم الأشد ضرراً فماهياتهم قليلة فتكون حاجتهم ومطامعهم أكثر، ولعدم وجود المحاسبة والملاحظة فإنهم يرتكبون أعظم الموبقات وأوجبها للقصاص» وتمضى مذكرة مشروع الدستور لتؤكد «نحن إزاء شعب مجرد من جميع الحقوق غير قادر على المحاسبة ولا يستطيع أن يطلب من رأس الحكومة حساباً عن إدارته، ويجد نفسه أمام وزراء تملقهم أوفر من صدقهم، وحرصهم على مناصبهم أشد من حرصهم على ما هو عليهم من واجبات» ثم تمضى متحدثة عن النظام القضائى قائلة «إن عدم وجود حقانية مستقيمة الأحكام جيدة الإدارة من أخطر الأسباب فى شقاء هذه البلاد بما يقوى الأميال الذميمة ويعلم الناس إنكار الحقوق، ويطفئ أنوار السجايا الحميدة عند الأفراد ويوجب اختلال الهيئة الاجتماعية.

وهذا ناشئ عن عدم كفاءة القوانين وقلة الاستعداد العلمى والأدبى وانعدام الاستقلال الذاتى الذى ينبغى وجوده فيمن يتولون أمور القضاء، وليس من قصدنا أن نتهم جميع القضاة والمستخدمين فى المحاكم فإننا نعرف أن كثيراً منهم من ذوى النزاهة والاستقامة لكنهم على الغالب ينقادون لآراء رفقائهم. إن القوة القضائية تستلزم شرطين لا يوجدان الآن هما فصل السلطات واستقلال القضاة الذى لا يثبته إلا بقاؤهم فى مناصبهم طوال الحياة» ونمضى مع مشروع الدستور لنجد مزيداً من أسباب تردى الأوضاع.

عدم وجود قانون انتخابى يضمن حرية الانتخابات، وعدم استقلال وكلاء الأمة مع فقدان ما يضمن لهم حرية الحديث والمساءلة فليس فى أرباب الانتخاب من يفعل ذلك بحرية، فالانتخابات فاسدة، والذين يقع عليهم الانتخاب يعلمون أن ذلك لم يحصل لهم إلا من نفوذ أرباب الإدارة، فيراعون ذلك فى أداء دورهم. وكذلك هناك أرباب الوظائف الإدارية فإنهم تعودوا الانقياد وعدم الحرية ويكون عملهم لتحقيق المنفعة الشخصية وليس أداء ما عليهم من واجبات، وتغلب الخضوع على الشهامة، وحلت الخيانة محل الاستقامة وعم الفساد، ولذلك أمثلة وأدلة لا تحصى فكم رأينا من دخل الخدمة كما دخل عالم الحياة عارياً عن الثروة ثم صار من خلفاء قارون بسعة أحواله وكثرة أمواله.

ولقد ذكرنا أن قلة رواتب الموظفين هى أيضاً من أسباب الفساد ونزيد على ذلك أنها من أسباب فقد الآداب العمومية لأنها تمس الراشى والمرتشى ويعظم ضررها باتصاله بالأنفس المستقيمة. وفى الواقع أننا نرى أن كثيراً من الناس الجديرين بالاحترام يضطرون إلى سلوك الوسائل الدنيئة لإنجاز أشغالهم المتأخرة. وتمضى مقدمة مشروع الدستور قائلة: لقد أوضحنا أنواع الشقاء التى حلت بالبلاد والأسباب التى نشأت عنها، ولا ننكر أن تعداد هذه الأسباب يؤثر تأثيراً محزناً فى القلوب، وأن كثيرين يستولى عليهم الجزع من تفكرهم فى عظم ما يحتاج الأمر إليه من بذل الهمم لإنهاض البلاد من عثرتها، على أننا نعتقد أن الوطنيين المحبين لأوطانهم لا يحجمون أمام هذه الصعوبة بل يعملون بجد للتغلب عليها بهمة وعزيمة تعدلان عظم المصائب التى حلت بالبلاد وبناء على اعتقادنا هذا نرى من الواجب علينا أن نعين الطرق اللازمة للإصلاح».

وهكذا تبدأ الوثيقة التى أعدها شباب مصر فى عام ١٨٧٩ فى تقديم الحلول. وكما رأينا أن سوء الأحوال فى أيامنا يشبه ما كانت عليه منذ مائة وثلاثين عاماً فإن الطرق اللازمة للإصلاح تتشابه تماماً مع ما نحن بحاجة إليه الآن.

وتبدأ اقتراحات اتحاد فتيان مصر بالمبدأ الأساسى لبناء الدولة المدنية وهو ما أسموه «توزيع السلطة» ويقولون: «إن توزيع السلطة هو أحسن وسيلة للوصول إلى إصلاح البلاد ففيه تصان حقوق رئيس الحكومة وتشترك البلاد فى حل مسائلها السياسية وتتأكد مسؤولية الوزراء أمام المشرعين فيصير أهل البلاد أمة حقيقية. ولذلك فإن جميع الوطنيين الأذكياء يعرفون أن الحكومة المطلقة تكون عاقبتها وخيمة لتعلقها بصفات وتصرفات الحاكم الشخصية ورجوعها إليه، وأنه ليس إلا بالنظام الذى تكون فيه السلطة موزعة يمكن تهذيب الأفكار العمومية وتأليف القلوب على حب الوطن وحب الحرية والعدل، ويمكن للناس عن طريق القوة النيابية أن يرفعوا أصواتهم بالشكوى عند اللزوم وبدون وجل فيتأكد بذلك نجاح البلاد وتقدمها حساً ومعنى».

وبعد هذا تأتى أسس أخرى لقيام دولة مدنية ديمقراطية عادلة. وإلى لقاء.

تعليقات الفيسبوك