`

مجتمع فقد عقله!

كلما تأملت المشهد العام فى مصر يقفز إلى عقلى فيلم كوميدى أمريكى قديم هو «عالم مجنون مجنون مجنون»، ويحكى قصة مسافرين غرباء على طريق سريع، حين وقع حادث سيارة عنيف، فتوقف الطريق وأسرع الجميع لنجدة الضحايا، فحدثهم ضحية قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة عن «ثروة» هائلة مدفونة تحت أشجار نخيل فى مدينة تبعد كثيرا عنهم، وعلى الفور غيّر الجميع وجهته إلى مدينة الكنز ودخلوا فى سباق مجنون للاستحواذ على الغنيمة.. وبالطبع خسروا جميعا، فهم لم يذهبوا إلى وجهتهم الأصلية ولم يصلوا إلى الثروة الحلم!

فهل نحن نعيش فى مصر لحظة كالتى عاشها هؤلاء الطامعون؟

أتصور أننا فعلا نمر بهذه الحالة الغريبة ونعامل مصر الثورة كما لو أنها «فرصة» تعديل أوضاع علينا أن نستثمرها فورا، وإلا سيفوتنا قطار المغانم إلى الأبد!.

ولا يمكن أن ينكر أحد حجم المظالم الرهيبة التى عانى منها المصريون فى الأربعين سنة الأخيرة، وتحديدا بعد الانفتاح الاقتصادى، إذ لم يكن تكوين الثروات راجعا إلى عمل حقيقى وجهود وإبداع فى الفكر والتنمية بقدر ما كانت ترجع إلى هبات وعطايا وخصخصة أرض الدولة وفساد عالم المقاولات العامة وعمولات استيراد السلع الأساسية واحتكار سلع مهمة وفتح خزائن البنوك على البحرى لأنصار النظام ومريديه.. فعاش ناس فى قصور من ألف ليلة وليلة، وعاش نصف الشعب المصرى فى عشوائيات سواء فى الريف أو فى الحضر!.

لكن أيضاً لا يمكن علاج هذه الجرائم ضد المصريين فى بضعة أشهر، بل إن البعض يطلب علاجا لأوضاعه بارتكاب جرائم ضد المجتمع.. ولن أتحدث عن كل المطالب الفئوية التى ضربت المجتمع المصرى كالوباء، بينما مصر فى مرحلة انتقالية تئن ولا تعمل ولا تكسب، لكن سأتحدث عن حالتين فى غاية الخطورة: حالة موظفى المحاكم، وحالة العاملين بالصحافة.. فهما حالتان سافرتان عن فقد المجتمع عقله.

قطعا لسنا ضد أن يطالب موظفو المحاكم والنيابات بحقوقهم حتى لو شطحوا فى حد المطالبة بلبن عصفور، فهم أحرار، لكن ما يعنينى الطريقة التى لجأوا إليها، وهى غلق المحاكم بالجنازير، ومنع القضاة والمحامين والمواطنين من الدخول.. وأتصور أن هذا النوع من الإضرابات لا مثيل له فى العالم، ليس لأنه ضد القانون فقط، ويعد جريمة بكل ما فى كلمة جريمة من معان، لكن لحجم الأضرار البالغة التى يصيبون بها عشرات الآلاف من المواطنين، إن لم يكن ملايين، أضرار بالغة فى حقوق بشر لا ناقة لهم ولا جمل.. هذه واحدة.

لكن الأغرب أن يطالبوا «بتعيين» أولادهم فى المحاكم والنيابة بانتظام، هذه مصيبة، وتخيلوا معى أن المصريين ثاروا أصلا على حسنى مبارك لأنه أراد أن يورث ابنه وظيفته، فإذ بالمصريين الموظفين فى المحاكم والنيابات يعتصمون ويضربون ويخالفون القانون مطالبين بأن يرث أولادهم وظائفهم.. منتهى العبث والله، لاوجود له فى شرع ولا دين ولا قانون.. إنه عالم مجنون مجنون مجنون!.

أما العاملون بالصحافة فقد اختصروا المسافات، طبعا بعد أن هددوا بمنع صحفيين من دخول المؤسسات الصحفية ومنع طبع الصحف، وطالبوا بالمساواة مع الصحفيين فى البدلات والمعاشات، يعنى هم لم يعترضوا على أوضاعهم المالية ولم يسعوا إلى تحسينها، فقط كل ما يشغلهم هو المساواة مع الصحفيين، وأنا أضم صوتى لهم وأطالب أن نساوى فى مصر بين كل الوظائف: عمال خدمات ومهندسين ومدرسين وأطباء وممرضين وضباط وأساتذة جامعات وقضاة وفنانين وعلماء وباحثين ووزراء ومديرين وفلاحين فى أرض الحكومة، فكلنا «ولاد» تسعة والمساواة التامة واجبة، فليس هناك فرق بين وظيفة ووظيفة من أول صبى الورشة إلى رئيس الجمهورية.. صحيح لا أعرف دولة تطبق هذا ولا أعرف دينا أو شرعا يعترف به.. لكنه عالم مجنون مجنون مجنون!

تعليقات الفيسبوك