`

خوف على الشريعة من أنصارها قبل خصومها

الخوف الحقيقى على الشريعة ليس من خصومها على كثرتهم وعلو صوتهم، لكنه من أنصارها الذين ابتذلوها وأهانوها.

 

(1)

 

يوم الجمعة الماضى حين خرج بضعة ألوف من الرجال والنساء إلى ميدان التحرير مطالبين بتطبيق الشريعة فى هتافاتهم ولافتاتهم، نشرت جريدة الأهرام تقريرا تحت العنوان التالى: 40 مليون مصرى فى خطر. وفيه أن 50 فى المائة من قرى مصر محرومة من الصرف الصحى، وتأكل وتشرب من الزراعات والمياه المختلطة بمخلفات الصرف، وتطاردها الأمراض والأوبئة الفتاكة. ولحل هذا الإشكال مطلوب توفير نحو 80 مليون جنيه، وعمل يستغرق زمنا يتراوح ما بين 10 و15 سنة.

 

فى الصباح ذاته نشرت الجريدة تقريرا مطولا عن الديون التى تكبل القرار الوطنى فى مصر، ذكرنا بأننا ورثنا عن النظام السابق بلدا مدينا ومقصوم الظهر، وأن الدين العام المحلى وصل فى شهر مارس من العام الحالى 1183 مليار جنيه، وأن كل مواطن مصرى أصبح مدينا بمبلغ 14232 جنيها.

 

إخواننا وأخواتنا الذين خرجوا إلى الميدان يومذاك أداروا ظهورهم للحاصل فى البلد. لم يقرأوا أخباره ولا تحسسوا أوجاعه ولا سمعوا بأحزانه. لم يكن أحد منهم مشغولا بما يحدث على الأرض، وإنما ظلوا مهجوسين بشىء واحد هو تلك الوصفة السحرية التى اختزلوها فى ثلاث كلمات هى «تطبيق شرع الله». وهو ما يمكن أن يكون مفهوما إذا ترجم إلى فعل ينفع الناس ويضيف شيئا يخفف عنهم بعض أوجاعهم وأحزانهم، لكنك تفاجأ بأن المطلوب لقيام شرع الله أن ينص عليه فى الدستور بصياغات صريحة مختلفة. كأنها مسألة أدبية ولغوية تحسمها الصياغة، ولا علاقة لها بالواقع أو بالتاريخ.

 

ما لاحظته أن أغلب الذين ارتفعت أصواتهم منادين بتطبيق شرع الله ومتصورين أن شرع الله كان غائبا عن مصر طوال السنين التى خلت. هم من دخلوا إلى الساحة حديثا، بعدما قبعوا فى الظل طويلا. وعاشوا منكفئين على أنفسهم، فلم يفقهوا شيئا من الواقع، ولذلك فإنهم لم يحتكوا بمحيطهم ولا بالعالم من حولهم. وهذا الانكفاء انعكس على فهمهم للدين. فلم يروا مقاصده أو قيمه وجوهره، وإنما اختزلوه فى النصوص والطقوس وبعض المظاهر التى تتعلق بالمحرمات أو بالهيئة والزى. يؤيد ذلك أن الذين استعادوا وعيهم وأدركوا شيئا من الواقع المحيط بهم لم يخرجوا فى مظاهرة الجمعة، وهو ما لاحظناه فى غياب الإخوان والدعوة السلفية وما لمسناه فى خطاب قادة الجماعة الإسلامية، متمثلا فى قول الدكتور ناجح إبراهيم عضو مجلس شورى الجماعة وقوله عن الذين تظاهروا مطالبين بتطبيق الشريعة إنهم «مزايدون يدغدغون مشاعر الناس».

 

(2)

 

هؤلاء الوافدون الجدد الذين قدموا من وعاء النصوص والطقوس هم أكثر من يسىء إلى الإسلام ويشوه صورته. وتجربة حركة طالبان فى أفغانستان يصعب نسيانها، وما يفعله أقرانهم فى مالى وبعض دول غرب أفريقيا هذه الأيام يجدد سلبيات التجربة الأفغانية، من حيث إنهم اعتبروا أن معركتهم ضد الأضرحة وليس ضد الفقر والجهل والتخلف. ولهؤلاء نظائر فى تونس الآن لم يهتموا باستعادة البلد لحريته وزوال الطغيان عنه، ولم يكترثوا بالأزمة الاقتصادية التى يواجهها من جراء تراجع السياحة وتعثر الاستثمارات الأجنبية، ولم ينشغلوا بإعادة بناء البلد وتحقيق حلم نهضته. ولكنهم زايدوا على الجميع فى الصياح مطالبين بتطبيق شرع الله من خلال إعلان الحرب على دور السينما والملاهى الليلية ومحال بيع الخمور، واعتبروا من خالفهم فى ذلك كفارا ومفرطين فى شرع الله. وقد وصفهم الشيخ عبدالفتاح مورو أحد مؤسسى حركة النهضة هناك بأنهم «متطفلون على التدين»، وانتقدهم قائلا: لقد كفرتمونا (يقصد قادة الحركة وفى مقدمتهم الشيخ راشد الغنوشى وأقرانه المؤسسون) فى حين سكتم على «بن على» (الرئيس السابق) ولم تكفروه.

 

أغلب الذين خرجوا فى مصر يوم الجمعة من أولئك المتطفلين على التدين الذين يتطلعون إلى إضافة بما لا يخالف شرع الله على كل نص فى الدستور. ولا يرون فى القانون سوى الحدود الشرعية، التى هى عندهم علامة إقامة الدولة الإسلامية أو تأسيس الخلافة، بعَلَمها الأسود الذى يقال إنه كان يرفع فى غزوات النبى محمد (صلى الله عليه وسلم)  ولا يهم بعد ذلك كيف سيكون حال الاقتصاد والتعليم والصحة والإسكان، أو أى شىء آخر فى حياة الناس.

 

المشكلة لا تكمن فى هذه النماذج فقط، وإنما تكمن أيضا فى إعلام غير برىء يهلل لتلك المقولات والنداءات، فيروج لها ويقدمها بحسبانها إرهاصات «الأسلمة» التى تتجه إليها مصر، حاملة إلى الناس أجواء الشقاء والبؤس.

 

لك أن تتصور مثلا شعور المواطن العادى حين يقرأ فى صحيفة الصباح الصادرة فى 26/10 العنوان الرئيسى التالى: الإخوان والسلفيون اتفقوا على تقييد مواد الحريات بعبارة: بما لا يخالف شرع الله. أو تقرأ فى الجريدة ذاتها عنوانا رئيسيا للعدد الصادر فى 8/11 يقول: إلغاء المساواة بين الرجل والمرأة فى الدستور. بسبب من ذلك فلا غرابة إذا ما وقع المحظور واتسع نطاق الخوف من شرع الله. وهو خوف أزعم أنه بات ينتاب قطاعات لا يستهان بها من المسلمين حتى المتدينين منهم، فما بالك بغير المسلمين.

 

(3)

 

اعتذرت ثلاث مرات فى الآونة الأخيرة عن عدم المشاركة فى برامج تليفزيونية دعيت إليها لمناقشة تطبيق الشريعة الإسلامية. ونصحت من سألنى فى حوار صحفى أن يركز فى أسئلته على ما يجرى على أرض الواقع، وأن يكف عن التساؤل عن النداءات التى تتردد فى الفضاء.

 

لا أتردد فى القول بأن أغلب الهرج الذى يثار الآن حول صياغات تطبيق الشريعة الإسلامية فيه من المزايدة والهرج بأكثر مما فيه من الموقف الجاد والمسئول. وأضيف 4 ملاحظات هى: الأولى أن الأغلبية الساحقة ليست ضد تطبيق الشريعة ولكنها تختلف حول المقصود بكلمة الشريعة وكيفية التقدم على طريق التطبيق المنشود. وهل تكون البداية مثلا بإطلاق اللحى أم بإطلاق الحريات، وهل يكون الطريق إلى ذلك بوعظ الناس أم بخدمتهم والحفاظ على كرامتهم.

 

الملاحظة الثانية أن الصلة وثيقة بين تطبيق الشريعة وبين الاستقلال الوطنى. ذلك أن مرجعية القوانين تشكل أحد عناصر هوية المجتمع. ولذلك لم يكن مستغربا ـ بل كان مفهوما ومبررا ـ أن يلغى تطبيق الشريعة فى مصر فى العام التالى مباشرة لاحتلالها من قبل الانجليز فى عام 1882. ليصبح القانون الفرنسى بعد ذلك هو المصدر الأساسى للتشريع فى البلد. وقد سعى فقهاء القانون المصريون بعد ذلك إلى تصحيح ذلك الوضع. حتى أصبح القانون المدنى الذى وضعه الدكتور عبدالرزاق السنهورى مستلهما فى أغلبه من الشريعة الإسلامية. وإدراك تلك الصلة الوثيقة بين الشريعة وبين استقلال الهوية الوطنية يكشف عن مدى تهافت وعبثية الهرج المثار حول الشريعة بالمفهوم السائد فى الوقت الراهن.

 

الملاحظة الثالثة أن مرجعية الشريعة ـ أو مبادئها ـ للقوانين لا تتعارض مع اعتبار الأمة مصدر السلطات، لأن التفرقة واجب بين مصدر التشريع ومصدر السلطة. وكون القانون الرومانى مصدرا للقوانين فى الدول الغربية الأوروبية، لم يلغ حق المجتمعات فى إقامة أنظمتها الديمقراطية، وكذلك الحال فى المجتمعات الإسلامية، التى لها أن تستلهم قوانينها من شريعتها، فى حين تعمل إرادتها الكاملة فى اختيار السلطة التى تمثلها.

 

الملاحظة الرابعة أننا لا نتحدث عن خلافة إسلامية يعتز بها الجميع ويحن إليها البعض باعتبارها مظلة حمت الأمة. ولكننا نتحدث عن نظام ديمقراطى يعبر عن هوية الأمة فيحقق مصالحها العليا ويحترم قيمها الأساسية. والذين يعتبرون الخلافة النظام الوحيد المعبر عن النظام الإسلامى، يتزيدون ويبتدعون، لأننا نفهم أن الإسلام لم يحدد شكلا لنظام الحكم، ولكنه حدد قيمة للنظام السياسى، تمثلت فى الشورى، التى يمكن أن تصاغ على أى نحو، لأن الوظيفة أهم من المصطلح.

 

(4)

 

يعرف أهل القانون جيدا أن مجرد النص فى الدستور على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمى يكفى فى تحديد دور الشريعة ومرجعيتها. والمادة الثانية المقررة فى دستور 1971 التى تحدثت عن مرجعية مبادئ الشريعة تؤكد المعنى وتعززه. وكل ما عدا ذلك من صياغات إضافية تعبر عن ذات المعنى تعد تكرارا لا لزوم له، ومزايدة من جانب المتطفلين على التدين وعلى القانون. ولعل كثيرين يذكرون أن الشيخ راشد الغنوشى رئيس حركة النهضة فى تونس قبل بالاكتفاء فى نص الدستور الجديد على الهوية الإسلامية للدولة، بعدما أثار البعض لغطا حول ضرورة النص على الشريعة، معتبرا أن تحديد الهوية يكفى فى تحديد مكانة الشريعة والإسلام فى النظام الجديد، وهو النص الذى حقق التوافق بين مختلف القوى السياسية، وقطع الطريق على احتمالات الخلاف والشقاق فى الساحة الوطنية.

 

استغرب أيضا من الذين صاغوا مشروع الدستور سعيهم إلى محاصرة مبادئ الشريعة فى تعريف صاغوه هم بحيث لا يتجاوز «القواعد المعتبرة عند أهل السنة والجماعة»، وهم بذلك ضيقوا واسعا كما يقول الأصوليون. وأشم فى هذه الصياغة رائحة السلفيين الذين لا يرون فى الكون خصما غير الشيعة من أتباع المذهب الجعفرى. ولا أفهم لماذا نحرم الفقه والتطبيق من خير لدى المذاهب الأخرى إعمالا للنص القائل بأن الحكمة ضالة المؤمن. وفى حدود علمى فإن قانون الأحوال الشخصية أخذ من المذهب الجعفرى بعض ما وجده مفيدا وصالحا.

 

إن أسوأ ما فى اللغط الحاصل حول الدستور الجديد أن بعض القوى الإسلامية المشاركة فيه مشغولة بإبراز الحضور الإسلامى بأكثر من انشغالها بتماسك الجماعة الوطنية، رغم أن العناد حاصل من الطرفين. وقد أشرت من قبل إلى دلالة القصة التى أوردها القرآن (فى سورة طه) عما فعله بنو إسرائيل مع النبى موسى وأخيه هارون، حين غاب عنهم الأول وتركهم فى عهدة أخيه، لكنهم خالفوه وعبدوا العجل أثناء غيابه. وبعد عودة النبى موسى أغضبه مسلكهم وعنف أخاه الذى سكت عليهم. فكان رد هارون أنه خشى أن ينفرط عقدهم إذا هو حملهم على التمسك بدينهم. الأمر الذى تفهمه موسى عليه السلام فسكت عما جرى مقدما وحدة القوم فى ذلك الظرف على سلامة الاعتقاد.

 

قد يستطيع المزايدون أن يتبنوا حضورهم كما يشاءون فى مشروع الدستور، لكننى أثق فى أن ذلك لا يقيم الدولة الإسلامية، فى حين أنهم سيسهمون فى تفتيت الصف الوطنى، وسيضاعفون من مخاوف الناس. وسيكون الإنجاز الوحيد الذى حققوه أنهم كسبوا نصا مكتوبا وخسروا كل ما عداه.

 

 

تعليقات الفيسبوك